بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
انطلاق الألمان
عرض الملك روجر الثاني على كونراد ولويس السابع بنقلهم بحراً بسفنه. إلا أن كونراد رفض ذلك نظراً للعداوة القديمة بين الرجلين، وكذلك رفض لويس السابع نظراً لكون روجر كان عدواً لعم لويس. حسم كونراد الثالث أمره بالمسير البري ونظراً لأن مانويل كومنينوس الإمبراطور البيزنطي كان قد تزوج أخته.انضم المندوب البابوي والكاردينال ثيودوين إلى القوات الألمانية، وتم الاتفاق على مقابلة القوات الفرنسية في القسطنطينية. كما انضم إليهم أوتوكار الثالث دوق شتاير مارك في فينا، وسمح ملك هنغاريا بالمرور من أراضيه دون أن يتعرض لهم. لتبدأ رحلة الألمان في نهاية مايو من سنة 1147.
المسير إلى القسطنطية
عبرت الجيوش الألمانية هنغاريا دون أي مشاكل تذكر وبلغ تعداد الجيش الألماني حسب بعض المصادر إلى 20 ألف مقاتل واشارت مصادر أخرى إلى أنها خمسون ألف فارس و100 من المشاة . وقد وصلت بعثة من الإمبراطورية البيزنطية.إلى كونراد الثالث في هنغاريا لتأخذ منه المواثيق والقسم على عدم حدوث إساءات إلى الإمبراطورية من قبل الألمان ولدى وصول الجيوش إلى المناطق البيزنطية، ليدخل الألمان أراضي الإمبراطورية في البلقان وتم عبر نهر الدانوب على السفن البيزنطية. وقد قام الجيش الألماني بعمليات النهب أثناء مسيره وخاصة في مدينة تراقيا، مما اضطر الإمبراطوار بالتدخل عسكرياً كما قام السكان المحليين بعمليات قتل للجنود المخمورين في الطرقات كانتقام لعمليات النهب.كانت هناك مناوشات مع البيزنطيين منذ مغادرة الجيش الألماني صوفيا وقيامهم بنهب القرى في الطريق. وتم إرسال القوات البيزنطية لضمان عدم حدوث مشاكل. وقد كان هناك بعض المناوشات مع بعض الألمان الغير منضبطين قرب بلوفديف وأدرنة،حيث تعارك القائد البيزنطي بروسوش مع ابن أخ كونراد والذي سيصبح فيما بعد الإمبراطور فريدريك الأول. ومما زاد الطين بلة ان بعض الجنود الألمان قتلوا في فيضان في بداية سبتمبر. وفي 10 سبتمبر، وصل الألمان إلى القسطنطينية،
أقام كونراد في بادء الأمر في قصر فيلوباتيم بالقرب من أسوار القسنطينية، لكن تعرض هذا القصر للنهب أيضاً، لينتقل إلى قصر بيكريديوم، وأرتكب جنوده أعمال عنف ضد السكان المحليين. لتعود المناوشات مع البيزنطيين، وتتأزم العلاقة بين الملك الألماني والإمبراطور البيزنطي، حتى أن كونراد ألمح بأنه سيعود في العام التالي لمحاصرة القسنطينية. وقد لعبت شقيقة كونراد دوراً في تهدئة العلاقات بين الرجلين. وكان مانويل يحث الألمان على سرعة العبور خشية التقاء الجيشين الألماني والفرنسي في القسنطينية والآثار السيئة على المدينة. وبالفعل بدأت المناوشات مع طلائع الفرنسيين الواصلين إلى القسنطينية، ليذعن الألمان إلى طلبه ويبدأوا بالتحرك. وقد طلب مانويل بقاء بعض الجنود الألمان للمساعدة في حرب مانويل مع روجر الثاني الصقلي لكن كونراد رفض ذلك.
الألمان في أسيا الصغرى
تحرك كونراد الثالث باتجاه مدينة خلقدون وطلب من مانويل مرشدين للطريق. وبالفعل أمده مانويل بالمرشدين ونصحه بالتحرك عبر طريق الساحل باتجاه أنطاليا وبذلك يبقون ضمن أراضي الإمبراطورية. لم يعبأ كونراد بذلك وتحرك نحو قنية وهناك قام بتقسيم الحملة إلى قسمين، قسم بقياد أوتو دوق فريسينج يضم معه معظم الحجاج يتحرك إلى أنطاليا عبر نهر ليكوس [الإنجليزية]. والقسم الآخر بقيادة سيخترق البلاد عبر نفس طريق الحملة الصليبية الأولى.
خرج الألمان من نيقية في 15 أكتوبر وبعد 10 أيام وصلوا إلى مدينة ضورليم بالقرب من نهر باثي وقد اصابهم الإرهاق ونقص المياه. ليفاجؤا بهجمات سريعة ومتكررة من فرسان سلاجقة الروم بقيادة ركن الدين مسعود لتم سحق الجيش الألماني في 25 أكتوبر 1147 في معركة ضورليم.[ ليتم إبادة تسعة أعشار جنوده وليولوا الفرار بحلول المساء مع من تبقى من جنوده عائداً إلى نيقية..أما القسم الآخر من الجيش، بقيادة أوتو من فريسينج، فإنه تحرك جنوبا إلى سوريا نحو سواحل المتوسط وتم إبادته بشكل مشابه في أوائل 1148.
انطلاق الفرنسيين
انطلق الصليبييون الفرنسيون من ميتز في يوليو بقيادة لويس مصطحباً معه زوجته، وقد تأخر حوالي الشهر عن كونراد. ليصل في شهر أكتوبر 1147إلى القسنطينية ليجد أن أبواب القسنطينية أغلقت في وجه الفرسان الفرنسيين بسبب ما تسبب به من أحراق مزارع الزيتون بسبب نقص الوقود أو هجمات على المنازل بسبب السكر وقد أثار هذا التصرف غضب بعض القادة الفرنسيين. إضافة إلى تناوش صليبيو اللورين الذين تقدموا القوات الصليبية الفرنسية مع ذيول القوات الألمانية المتأخرة التي التقوا في الطريق. والأنباء عن تحالف الإمبراطوار مانويل مع السلاجقة. وقد عرض الكثير منهم الاتصال بروجر الثاني وانتظار اسطوله مع النورمانديين للاستيلاء على القسطنطينية إلا أن حسن ضيافة مانويل للويس السابع وحسن إقامته في القصر الإمبراطوري قد جعله يعدل عن رأيه إضافة إلى نصائح أسقف ليزيو أشاع الإمبراطور مانويل إلى أن الألمان أحرزوا انتصارات كبيرة في آسيا الصغرى، وبذلك جعل الفرنسيين يسرعوا في عبور البوسفور بسبب ما نبهم من حسد ورغبة في مكاسب عسكرية.
الفرنسيون في آسيا الصغرى
التقى الفرنسيون بشراذم جموع مسلحة ألمانية بقيادة فريدريك من شوابيا وبقايا جيش كونراد في نيقية، لينضم الألمان لقوات لويس. وتبعوا خط مسير ساحلي على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد تعرض الجنود الألمان لسخرية شديدة من الفرنسيين لما حل بهم من قبل السلاجقة، وما أن وصلت القوات الصليبية إلى مدينة أفسوس حتى مرض كونراد، وأرسل له مانويل الهدايا وعرض عليه أن يعلاجه في القسطنطينية، ليتوجه كونراد إلى القسطنطينية. ولما تأخرت عودة كونراد قرر لويس متابعة السير معتبراً نصيحة مانويل بمتابعة السير بمحاذاة البحر. شق الجيش الفرنسي طريقه عبر الجبال والوديان حتى وصلوا إلى بيسيديا ليظهر السلاجقة وتدور معركة على الجسر الواصل إلى القلعة. ونجح الفرنسيون في اختراق الجسر ليلجأ السلاجقة إلى القلعة البيزنطية، وقد اعتبر الفرنسيون هذا التصرف خيانة للعالم المسيحي من قبل البيزنطيين.
تابع الجيش الفرنسي طريقه إلى أضاليا، وعلى طول الطريق كانت جثث الجنود الألمان متناثرة، ليصدر لويس أوامر لحفظ انضباط الجيش، بجعل أشد الجنود في المقدمة والمؤخرة وكان هو نفسه يقود المؤخرة. كما عهد إلى عمه حماية إحدى الممرات الجبلية، لكن عمه آثر الراحة وأهمل ما عهد إليه، لينقض عليهم السلاجقة وينهالوا عليهم بوابل من السهام، ولينقضوا أيضاً على المؤخرة حتى أن الملك لويس تعرض أكثر من مرة للموت في هذه المعركة ولم تتوقف المعركة إلا بعد حلول الظلام وانسحاب السلاجقة. وبحلول الصباح أعاد لويس تنظيم جيشه ليصل أضاليا في 20 يناير 1148. نصح البيزنطيون الفرنسيين بمتابعة الطريق بحراً نظراً لطول المسافة وخطر السلاجقة. ليبحر بعد خمس أسابيع من وصوله إلى أضاليا يصل إلى ميناءالسويدية 19 مارس 1148.
الفرنسيون في الشام
استقبل ريموند الثاني أمير أنطاكية الملك لويس السابع باحتفالات كبيرة. وكان يأمل من تسخير الحملة لصالحه بحكم الروابط العائلية مع لويس. ليحاول توجيه الحملة باتجاه حلب والتي كانت تشكل الخطر الأكبر على إمارة أنطاكية. كما حاول جوسلين الثاني من استمالة الحملة لصالحه بأن يعرض أن سبب هذه الحملة هو سقوط الرها ويجب أن يكون هدفها استعادة الرها. كما حاول ريموند الثاني كونت طرابلس تسخير الحملة لاستعادة قلعة باوين. ليعلن الملك لويس أنه لن يقوم بأي عمل حتى يجتمع بملك مملكة بيت المقدس. خاصة بعد أن وصل كونراد الثالث إلى القدس عن طريق عكا التي وصلها بحراً من القسطنطينية مما أثار الحذر والخشية في قلب لويس من كونراد.
مجلس عكا
غادر لويس إنطاكية بسرعة متجها نحو مدن المتوسط السورية اللاذقية وطرطوس وعمريت وغيرها ووصل طرابلس. ليتلقى دعوة من أسقف القدس بالحضور إلى بيت المقدس. رحب نبلاء مملكة بيت المقدس بالقوات العسكرية القادمة من أوروبا. وأعلن أنه سوف يعقد مجلس يضم جميع القيادات لتقرير الوجهة القادمة للحملة. وقد حصل هذا في 24 يونيو من سنة 1148 وقد جرى الاجتماع برعاية الملكة ميليسندا فيعكا والتي كانت أهم مدينة في مملكة بيت المقدس. وكان هذا الاجتماع من أكثر الاجتماعات أهمية وإثارة في تاريخ هذه المحكمة. وقد تخلف عن حضور هذا الاجتماع ريموند الثاني أمير أنطاكية الذي غضب لذهاب الملك لويس. وريموند الثاني كونت طرابلس بسبب غضبه من اتهامه بقتل ألفونسو كونت تولوز، وجوسلين الثاني الذي بقي في تل باشر والذي كان غاضباً أيضاً من تصرفات لويس. على الرغم من أن هؤلاء الثلاثة كانوا الأكثر عرضةً لخطر نور الدين زنكي
قرر في نهاية الاجتماع الهجوم على مدينة دمشق. وقد كانت هذ الإمارة على علاقة حلف سابق مع مملكة بيت المقدس إلا أنها تحالفت مع نور الدين زنكي أثناء معركة بصرى سنة 1147.
حصار دمشق
تجمعت الجيوش الصليبية في طبريا لتنطلق في منتصف يوليو عابراً الجليل إلى بانياس ليصل إلى غوطة دمشق ويعسكر فيها في 24 يوليو ليبدأ حصار دمشق.
نظراً لعلاقة التحالف بين معين الدين أنر والصليببيين، فإنه لم يتوقع أن تتوجه الحملة إلى دمشق. وما أن أدرك أن الحملة متجهةً إليه أرسل الرسل إلى حلب لطلب المساعدة من نور الدين وإلى الموصل لسيف الدين غازي. ليرسل كلاهما جيشين ويلتقيان في حمص لاحقاً.
بدأ الصليبيون معسكرهم على بعد 13 كم جنوب دمشق لينطلقوا شمالاً حيث حاول الجيش الدمشق منعهم، لكن الجيش الدمشقي أجبر على الاندحار إلى وراء الأسوار، لتبدأ عمليات كر وفر في غوطة دمشق، مما دفع جيوش الصليبية بإرسال جيش بيت المقدس للقيام بعمليات لتطهير الغوطة. وما أن انتهى اليوم حتى أصبحت الغوطة الجنوبية تحت سيطرة الصليبيين. وفي اليوم الثاني تقدم كونراد إلى الربوة ومنطقة المزة، إلا أن التعزيززات التي طلبها أنر كانت تتدفق عبر بوابات دمشق الشمالية ونجحوا في صد الهجوم، وشن هجومات متتالية. ليقرر الصليبين بعد بضرب معسكرهم شرق مدينة دمشق. ليتحرك الجيش في يوم 27 يوليو إلى شرق المدينة وكان هذا القرار بمثابة كارثة على الصليبيين نظراً، حيث أن هذه المنطقة فقيرة بالمياه إضافة إلى أن أقوى تحصينات دمشق تقع في الجانب الشرقي.
وقد تكرر فيما بعد في صفوف الصليبين بأنهم تعرضوا لخيانة من قبل أمراء بيت المقدس لقاء رشوة من معين الدين أنر. بدأت الخلافات تدب في المعسكر الصليبي حول مستقبل دمشق بعد السيطرة عليها. ففي حين رأت مملكة بيت المقدس ان تكون دمشق تابعة للمملكة، رأى ملوك أوروبا أن تكون مستقلة مثل إمارة طرابلس. وفي نفس الوقت كانت جيوش الزنكيين وصلت حمص. ليبدأ معين الدين بمفاوضة الصليبين مخيفاً أياهم بأنه في حال عدم انسحابهم من دمشق فإنه سيسلمها لنور الدين. وأنه سيعطيهم بانياس كتعويض.
عم الجدل في اوساط الصليبيين وصارت الضغوط على لويس السابع وكونراد بالانسحاب واللذان لم يستطيعا إكمال الحملة بدون وجود الصليبيين المحليين، لتهدم معسكرات الصليبيين في 28 يوليو وتبدأ رحلة العودة إلى بيت المقدس، وتتعرض جنودهم لغارات كثيرة بالسهام.
بقايا الحملة
خطط كونراد للسيطرة على عسقلان وتوجه إليها، إلا أنه لم تصله أي امدادات نتيجة لانعدام الثقة بين الصليبيين بعد فشل محاصرة دمشق. ليغادر كونراد مباشرة بعد فشله في تحقيق أي نصر عسكري ليركب سفينته في 8 سبتمبر. وتلقى دعوة من الإمبراطور مانويل للذهاب إلى القسنطينية. وقد لبى كونراد دعوة مانويل، لتتم علاقة تحالف بين الملكين. في حين بقي لويس في بيت المقدس ولم يغادر فلسطين إلا في صيف سنة 1149. ولم يبقى من أمراء الحملة إلا الكونت برتراند كونت تولوز ابن الكونت ألفونسو الذي توفي في قيسارية وشاع أن ريموند الثاني كونت طرابلس هو من قام بقتله بسبب الخلاف على إمارة طرابلس. أراد برتراند الانتقام لموت أبيه وأعلن انه الوريث الشرعي لإمارة طرابلس، فقام باحتلال حصن عريمة من بين يدي حاكم طرابلس. حاول ريموند التصدي لحملة برتراند لكن جنوده انهزموا، وطلب ريموند المساعدة من أمراء الصليبيين لكنهم رفضوا، فاضطر بالاستنجاد بمجير الدين أنر، وخصوصا أنه لم يساهم في الحملة الثانية. وافق أنر مساعدته وطلب مساعدة نور الدين ليتوجه الجيشين إلى حصار حصن العزيمة ليتم تدمير الحصن بشكل كامل وأسر الكثير، ومن بين الأسرى الكونت برتراند.
النتائج
لم يكن موقف برنارد في أوروبا مشرفاً وعندما فشلت محاولاته للدعوة لحملة صليبية جديدة، حاول حل الربط بينه وبين الحملة الصلبية الثانية التي فشلت فشلا ذريعا، ولم يعمر طويلا بعدها، فمات عام 1153م. كان لحصار دمشق الفاشل آثارا مدمرة طويلة الأمد على الصليبيين فما عادت دمشق تثق بالمملكة الصليبية، وأصبحت المدينة عاصمة لنور الدين زنكي عام 1154. مما أدخل مصر في جو الصراع. تمكنت مصر من التقدم باتجاه القدس واحتلالها لفترة وجيزة ثم استرد الصليبين القدس في سنة 1099. أما بلدوين الثالث فإنه سيطر على عسقلان في 1153، وكانت العلاقات مع الإمبراطورية البيزنطية متوترة كما أن الدعم المقدم من الغرب كان شحيحا بعد الحملة الصليبية الثانية. وفي عام 1171، أصبح صلاح الدين الأيوبي، ابن أخ أسد الدين شيركوه سلطانا على مصر بعد أن أرسله نور الدين مع أسد الدين شيركو لمحاصرة الصليبيين واحتلال مصر. وفعلا سيطر أسد الدين على دمشق وبعد وفاته أصبح صلاح الدين وزيرا على مصر فأسقط الدولة الفاطمية في مصر وضمها لحكم الزنكيين في دمشق وطوق المالك الصليبية من جميع النواحي. وبعد وفاة نور الدين ذهب حكم دمشق ومصر إلى صلاح الدين وفي عام 1187 نجح في فتح القدس وتوسع شمالا ليبسط سيطرته على معظم الممالك الصليبية، ليتم التمهيد للحملة الصليبية الثالثة بعد سقوط القدس.
على الرغم من الإخفاق الكبير للحملة في الشرق، إلا أنها حققت نجاحات كبيرة في شبه الجزيرة الإيبيرية ومهدت الطريق لسيطرة مملكة قشتالة والبرتغال وأراغون على شبه جزيرة أيبيريا بأكملها وإسقاط آخر مملكة في الأندلس سنة 1492. كما أنها حققت نجاحات في محاربة السلاف ومهدت الطريق لنشر المسيحية بين القبائل السلافية الغربية