تاريخ العراق القديم/يهود الموصل بين التاريخ والسياسة/ج1
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
يهود الموصل .... بين التاريخ والسياسة التي أريد لها ان تكون تاريخا
هذه مقالة اجتماعية تاريخية جغرافية الى حد ما حول اليهود في الموصل وهي قراءة غير سياسية وغير موجهة ولا تتبنى وجهة نظر معينة ، بقدر ما تقرأ واقع الموصل الثقافي والتراثي في حقبة زمنية معينة ،مع اقلية دينية عاشت في الموصل والقت فيها بعض حمولتها الاجتماعية والثقافية . وهذه الدراسة تأتي ضمن حلقات ، تشمل مكونات اجتماعية ودينية وعرقية سكنت الموصل ، مثل الاكراد والشبك واليزيدية ، ستكون متاحة لاحقا بإذن الله .
في سوق الصوافة في باب الطوب ، وفي منتصف الشارع ، كانت نسوةٌ يهوديات يفترشن الارض ، على شكل سلسلة احداهن وراء الاخرى ، ويعرضْنَ خدماتهن في خياطة الثياب على نحو سريع يكاد يكون فوريا يقودهم رجل كبير في السن يهودي ايضا ، هو من يُفَصِّلُ قطعة القماش ، ومن يقيس القماش على الزبون الواقف ، الذي اشترى لتوه قطعة القماش من بزازين يقابلون هذه السلسلة البشرية وهو من يتحاسب عنهم ، وهو مَنْ يدير عملية الادارة برمتها . لكن كيف يعمل هؤلاء ؟؟ إنهن يعملْنَ بشكل تكاملي ، حيث يقوم هذا الرجل الكهل في المقدمة باخذ القياسات اللازمة للزبون الذي كان قد اشترى القماش لِتوِّهِ من البزاز المقابل ، ثم يُفصِل اجزاءه على البدن مباشرة ويقصه ، ثم يرمي بالاجزاء المفصّلة الى العاملات خلفه ، فيبدأن بحركة مكوكية سريعة، كلٌ منهن ، بخياطة ما يُلقى اليها ، من ردن ، والى الثانية الصدر، والتالية الردن الاخرى، والتالية الجيوب والاخرى الازرار ، وهكذا الاخريات يخطنّ الاجزاء الاخرى لتنتهي الاجزاء المخيطة الى عاملة جالسة في آخر السلسلة فتجمع الاجزاء المخيطة وتوحدها وتربطها كلها وتنهيها على شكل ملابس جاهزة ، يلبسها الزبون من فوره . وهكذا ترى هذا الزبون الذي اشترى القماش ودفع ثمنه ثم فصله وارتداه ، قبل أن يرتد اليه عقرب الربع أو النصف ساعة بالكثير .
كان هذا يحدث في الشارع الذي يمتد من (( الصَوَّافَة )) شمالا باتجاه ساحة باب الطوب الداخلية وسوق العطارين وخانات دبغ الجلود ، في هذا الشارع الذي يتقاسمه بائعو الصوف والوبر والخز وتجارُه ، وبعض البزازين بائعو الاقمشة الخفيفة والملونة ، يتوسط الصوافين والبزازين فيه بضع دكاكين لصاغة فضة ، من الجانب الايمن ، وبعض بقالين يبيعون الدهن الحر ( السمن البلدي ) ، في الجانب المقابل، ويفصل بين بقالي السمن البلدي فسحة هي عبارة عن مدخل( جانبي ) الى سوق اللحم القديم ( الشارع الموازي لشارع الصوافة ) .وهما شارعان ، لاتمر فيهما المركبات الكبيرة والسيارات .
زبائن هؤلاء العاملات يكونون عادة ، من ابناء الريف الذين ينزلون الى الحاضرة ( الموصل ) بعد فترات جني المحصول وتوفر السيولة النقدية ، ويتجهزون بالمواد الغذائية والتبوغ ، والشاي والسكر واليابسات ( البقوليات ) ، و يشترون ملابس لهم ولذويهم من الاطفال والنساء ، وبالمقابل ، فانهم ( اي ابناء الريف ) يجلبون ما لديهم من مشتقات حيوانية ، من صوف وسمن وشعر ماعز وبعض المحصولات البرية والاعشاب ، وما يمكن أن يكون سلعة قابلة للتسويق . ويتبضعون فيما يتبضعونه ايضا ، مخشلات ( عبارة عن اقراط او خلاخيل خفيفة وصغيرة تربط بها حبات خرز او غيرها ) ومصوغات فضية ، يطلبها ابناء الريف بوفرة ، فتكون في هذا السوق دورة اقتصادية شبه متكاملة يصرف ابن الريف ما عنده ويأخذ ابن الريف ما يحتاجه من بضائع وخدمات . وطبيعي ان يكون هذا الريفي ، لا يملك امولا سائلة مثلا ،ليدفعها الى هذا الخياط اليهودي وفريقه ، لكن ذلك لن يشكل عقبة ، لان مشتري السمن البلدي من الفلاح ، سيصرف لهذا اليهودي نقوده لقاء شراء السمن ، او أن الصواف سيضمن لهذا حقوقه ، أو أن صائغي الفضة اليهوديين الوحيدين في السوق ، واللذّين سيبيعان الفلاح اقراطا او خلاخيل فضة ، سيضيفان حساب الخياطة الى القائمة التي سيسددها الصواف او السمان مثلا ، الذي اشترى بضاعة هذا الفلاح ، ولان الصائغين المذكورين ، هما اصلا امينا صندوق ، لهذا الفريق( الخياط ) ، وحيث يحتفظان لديهما بالدخل ويعتمدان عليهم في الصرافة كذلك. وكذلك فان ابناء الموصل الحاضرة ايضا يستعينون بهذا الفريق : الخياط ، في خياطة الاثواب والملابس الداخلية الرجالية ، وحتى الملابس الجاهوية الفخمة الموشاة ( المطخمة ) بالابريسم والحرير ، والتي تتطلب مهارة ودقة في الصنع ، كما أن الخدمات تشمل ايضا ، عملية رثي الثياب ، وصيانة بعض العباءات المصنوعة من شعر الماعز ، وعملية صيانة العقال واعادة ضبطه وشده . ولازالت المنطقة لحد الان ، تحوي الكثير من الخياطين الذين يخيطون الخيم ، والعباءات الثخينة المبطنة بالفرو والتي تسمى ( الحورانيات ) وحاويات الماء القماشية القديمة ، وهو على اغلب الظن مما ترسب من بقايا تلك الخدمة .
هذه الرواية لصورة كانت في العشرينيات وما قبلها وبعدها بقليل ، رواها لي جدي المولود سنة 1890، والذي كان يمتهن تجارة المواشي والاغنام ، ويدخل في صلب اهتمامه التجاري ، ما يتفرع من المواشي من جلود واصواف ولحوم ، وتعلقات علف ورعي وما شاكل ذلك . والتي تنتهي جميعا الى صلب اختصاص هذا السوق ونوعية مرتادية ومتسوقيه .
اقول هذا لكي اثبت سند هذه الرواية في الوقت الذي لاتتوافر لدي من المراجع والمصادر الا هذه الرواية . وأظن ان الاسناد الصحيح لها سيوفر لها بعض المصداقية التاريخية .
غير بعيد عن هذا المكان ، تقبع خانات ومحلات دباغة الجلود ، ومعها جمع امعاء الحيوانات المذبوحة وجمع شحومها ، ويُعرف العاملون بدبغ الجلود ( الدباغين )، والعاملون في تنظيف وتجفيف الامعاء ، بالوتارين ، وهي مهنة سبق اليها اليهود وبقوا فيها ، أما جمع الشحوم ومعالجتها وتخزينها في حاويات صغيرة بعد تجميدها بمعاملة كيمياوية ، فظلت حكرا على اليهود حتى وقت قريب قبل أن تُنشأ مصانع الزيوت ، ومن خانات الجلود والوتارين ، الى سوق العطارين حيث يتصدر المشهد عددٌ من العطارين والعشابين والصيادلة اليهود . الذين يتفننون في هذه الصنعة الى جانب عدد من العطارين الاخرين الذين يتولون عملية بيعها وشرائها فقط . وهم الذين ادخلوا المعالجة الكيمائية الى عملية الدبغ ، بعد ان كان الدبغ يعتمد في مجمله على التجفيف فقط مع اضافة قشور فواكه مجففة وتغطيتها بالملح .
ومن العطارين الى سوق الصّاغة ، الذي يتولى ادارته الفنية الصّاغة اليهود ، ويتحكمون الى حد ما بعملية العرض والطلب .
هذه الدورة الاقتصادية التكاملية المتسلسلة . تتوسط الحالة الاقتصادية الكبيرة التي تقوم عليها مدينة الموصل انذاك . يكون اليهود فيها سداها ولحمتها ، مع ملاحظة شديدة الاهمية ، أن اليهود في كل هذا لم يكونوا ملاكين للعملية ، بمعني لا يملكون رأسمالها المادي والسلطوي ، وكذلك لم يكونوا في اسفلها ، اي خارج الموضوع او يمكن الاستغناء عنهم في ادامة وتكامل هذه الدورة الاقتصادية ، لذلك فهم لبنة اساسية فيها ، اذا خرجوا انهارت العملية كلها ، وارتبك التخطيط . وهذه هي الفلسفة القصوى المختصرة لكيفية ادائهم الاقتصادي ، وترتيب وضعهم الاجتماعي ، بحيث لا يكونون فوق الكل ، ولا تحت الكل ، لكن الكل لا يستغني في عملية اقتصادية سلسلة ومريحة ومحسوبة عن خدماتهم . ربما تثير هذه الفقرة بعض الالتباس والاعتراض نتيجة سوء الفهم ، وهو هل أن غير اليهود لم يكونوا فاعلين وناشطين وحاضرين في الحراك الاقتصادي ، الجواب بالتأكيد كلا ، ولكن العينة الصغيرة قيد البحث ، تحتاج الى هذا التركيز على نقطة معينة ضمن دائرة اوسع .
يُقال أن اليهودية دين اقتصادي بحت ، كما كانت المسيحية دينا اخلاقيا بحتا ، فان صحت هذه المقولة او لم تصح ، فإن اليهود قد قربونا من فهم هذه المقاربة كثيرا .
دراسة مكون اجتماعي موصلي
هذه الفذلكة تتيح لنا قراءة الوجود اليهودي في الموصل ، تاريخا واداءا وافرازات ثقافية ، وبالتأكيد لا تملك اقلية دينية ، هذا الحضور وهذه السطوة بمعناها الوجودي ، مالم تكن تستند الى منظومة اجتماعية وثقافية وحتى سياسية عبر تحالفات او هدنة او نوع من الحمايات، تتجسد في نوعية الخدمات والمهارات والحصون الكفائية ، ومالم تكن هذه الاقلية قد امتلكت الوقت الكافي لكي تبني هذا البناء الاجتماعي المغلق الى حد ما ، ومالم تكن تملك مضادات وخططا بديلة ، تداري فيها ضعفها وقلتها في محيط من ديانة مختلفة ، وفي بلد يشكل الاختلاف الديني فيه عروة متيسرة وجاهزة يتلمسها البعض لكي يطرحها مادة للاضطهاد والتنكيل .كل هذا حضر لليهود في الموصل وتراءى لهم ، كان موضع دراستهم وفحصهم ، لكن كيف عالج اليهود وضعهم في الموصل كاقلية دينية وكيف تعاملوا مع الظروف والمناخات المتغيرة والمتناقضة ، واحيانا اللامنطقية ، هذا ما سيكون موضع تفصيلاتنا اللاحقة ، والذي سيشكل تاريخ الموصل في حقبة معينة وهو ايضا وضع اليهود في الموصل واداؤهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني ، وخارطتهم الجغرافية ايضا .
حاخام الفرقة المجوقلة الامريكية 101، الرائد ( ستيفن سبيلبيرغ ) يقول عن زيارة له الى محلة اليهود في الموصل بعد الغزو الامريكي للعراق : رأيت خمسة معابد يهودية في العديد من المنازل اليهودية ، ويمضي بعبارات انشائية عاطفية يتذكر الاطفال اليهود ويتخيلهم وهم يتلون الصلوات في تلك المعابد و ويذرف الدموع على تاريخ الاباء والاجداد ، لكنه يقول عبثا بحثت عن المقبرة اليهودية في المدينة فلم افلح ، وكان معي من يوفر الوقت والحماية المناسبة لذلك . هذا الكلام نقله عنه الكاتب (سكريمنغ اياكلاس ) ، ونشره عام 2003 .
كل المصادر الحديثة الاجنبية نقلت عن هذا الرائد هذه المعلومة التي تختصر وجود اليهود في الموصل . ولم تتطرق الى المزيد ، وقصة هذا الرائد تقودني الى وقفتين ، الاولى هي : انه يُعّرٍف نفسه وهو جندي في الجيش الامريكي، بانه حاخام !!!! ولا ادري هل يُسمح لوظيفة روحية بحتة، أن تمارس نشاطا تعبويا في الجيش الامريكي، أو ان تقوم بمهمة دينية اثناء الواجب . ومنه يتفرع سؤال . هل ان الجيش الذي غزا العراق كان امريكيا جاء لتحرير العراق من الدكتاتورية ، أم انه جيش اسرائيلي مطعم . جاء لينقذ العراق من ورطته ( الحضارية ) ؟؟؟؟ ،والثانية : هي ان الفقر الشديد في المعلومات عن اليهود في الموصل ، جعل اغلب المصادر تنتشي وتعلن عن اكتشاف باهر بحديث هذا الرائد ، وهذا يقودني الى فرضيتين اثنتين ، الاولى : أن المصادر والروايات فعلا شحيحة حول هذا الموضوع ولا دلائل ولا اثباتات تعزز اية معلومة ولو على سبيل التكهن والاجتهاد . الفرضية الاخرى : أن التعتيم على هذا الوجود وهذا التاريخ كان مقصودا . ومدعوما بقرار سياسي كبير منذ هجرة اليهود من العراق الى اسرائيل ، وانتهاءا بفترة الاحتلال الامريكي للعراق . وهذا ما أميل الى الاعتقاد به ، لاني وجدت في كتاب ( اليهود في البلدان الاسلامية في العصور الوسطى ) لمؤلفه ( موشيه جيل ) الطبعة الاصلية الصادرة من جامعة تل ابيب 1997 . ما يفيد هذا المعنى . ووجدت شرحا له في احد المواقع الاسرائيلية الثقافية (( حل مشاكل اسرائيل )) يقول : أنه في عام 2003 قال محلل في وزارة الدفاع الامريكية (( هارولد رود )) ، أن القوات الامريكية كشفت مخبأ ، ضم العديد من الوثائق التاريخية في مقر المخابرات العراقية في سراديب غمرتها المياه قريبة من نهر دجلة ، وأن امريكا بعد ترميم الوثائق وصيانتها سوف تعيدها الى الحكومة العراقية ، لكن اليهود العراقيين اعترضوا بشدة على هذا الاجراء ( أ ه ) وهو فيما يبدو لي محاولة لسد مافي الوثائق من عورة في الرواية التاريخية الاسرائيلية بحق العراقييين الذين طردوا اليهود .
بحث وتقديم ناطق ابراهيم العبيدي