مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الأنعام الآيات (124: 125)


اۘكًتَفّيٍتۙ ۤبِكۨ♔
24-08-2024, 11:51 AM
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ [الأنعام: 124].



﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ﴾ أي: هَؤلَاءِ الأَكَابِرَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، والرُؤَسَاءِ والدُعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ آيَةٌ ﴾ أي: حُجَّةٌ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ﴾ بِهِ ﴿ حَتَّى نُؤْتَى ﴾ أي: حَتَّى يُعْطِينَا اللهُ تَعَالَى ﴿ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ أي: مِثْلَ مَا أُعْطِيَ رُسُلُ اللهِ مِنَ النُّبَوَّةِ وَالرِّسَالَةِ[1].



وَإِنَّمَا قَالُوهَا حَسَدًا مِنْهُمْ للنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ بِقَولِهِ: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ أَيْ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا، وَيَكُونُ مَوْضِعًا لَهَا وَأَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَدِ اخْتَارَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّسَالَةَ فِي مُحَمَّدٍ صَفِيِّهِ وَحَبِيبِهِ[2]، كَمَا رَوى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اصْطَفى مِنْ ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، واصْطَفى مِنْ بَنِي إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ»[3]، فدَعَوا طَلَبَ مَا لَيْسَ مِنْ شأنِكُمْ[4].



﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ صَغَارٌ ﴾ذُلٌّ وَهَوانٌ[5] ﴿ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ[6].



﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125].



﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ بِأَنْ يَقْذِفَ فِي قَلْبِهِ نُورًا، فَيَنْفَسِحَ صَدْرُهُ، وَيَنْشَرِحَ لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ[7]؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22].


﴿ وَمَنْ يُرِدْ ﴾ اللَّهُ ﴿ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا ﴾ عَنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ ﴿ حَرَجًا ﴾ شَدِيدَ الضِّيقِ[8] ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِﱖ ﴾ أي: يَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ كَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ صُعُودُ السَّمَاءِ[9].



﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ الْعَذَابَ ﴿ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.



وَلِلْعَلَّامَةِ ابْنَ الْقَيِّمِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَلَامٌ نَفِيسٌ حَوْلَ هَذِهِ الْآيَةِ أَذْكُرُهُ بِنَصِّهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ مَحِلًّا للمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِنَابَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الْقَلْبِ إِذَا اتَّسَعَ لَهَا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَةَ عَبْدٍ وَسَّعَ صَدْرَهُ، وَشَرَحَهُ، فَدَخلَتْ فِيهِ وَسَكَّنتَهُ، وَإِذَا أَرَادَ ضَلَالَهُ ضِيَّقَ صَدْرَهُ وَأَحَرَجَهُ، فَلَمْ يَجدْ مَحلًّا يَدْخُلُ فِيهِ، فَيعْدِلُ عَنْهُ وَلَا يُسَاكِنُهُ، وَكُلُّ إِنَاءٍ فَارِغٍ إِذَا دَخَلَ فِيهِ الشَّيْءُ ضَاقَ بِهِ، وَكَلَّمَا أَفَرَغْتْ فِيهِ الشَّيْءَ ضَاقَ إِلَّا الْقَلْبُ اللِّينُ، فَكُلَّمَا أُفْرِغَ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ اتَّسَعَ وَانْفَسَحَ. وَهَذَا مِنْ آيَاتِ قُدْرَةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَ النُّورُ قَلَبُهُ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ، قَالُوا: فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلمَوتِ قَبْلِ نُزُولِهِ»[10]. فَشَرْحُ الصَّدْرِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْهُدَى، وَتَضْيِيقُهُ مِنْ أَسْبَابِ الضَّلَالِ، كَمَا أَنَّ شَرْحَهُ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَتَضْيِيقُهُ مِنْ أَعْظَمِ النِّقَمِ، فَالْمُؤْمِنُ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ، مُنْفَسِحٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَلَى ما نَالَهُ مِنْ مَكْرُوهِهَا، وَإِذَا قَوِيَّ الْإِيمَانُ وَخَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ كَانَ عَلَى مَكَارِهِهَا أَشْرَحُ صَدْرًا مِنْهُ عَلَى شَهْوَتِهَا وَمَحَابِّهَا، فَإِذَا فَارَقَهَا كَانَ انْفِسَاحُ رُوحِهِ وَالشَّرْحُ الْحَاصِلُ له بِفِرَاقِهَا أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ، كَحَّالٍ مَنْ خَرَجَ مِنْ سِجْنٍ ضِيقٍ إِلَى فَضَاءٍ وَاسِعٍ مُوَافِقٍ لَهُ فَإِنَّهَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَى مِنِ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَسَعَتِهِ مَا لَا نِسْبَةَ لَمَا قَبْلَهُ إلَيْهِ، فَشَرْحُ الصَّدْرِ كَمَا أَنَّهُ سَبَبُ الْهِدَايَةِ فَهُوَ أَصْلُ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَأَسَاسُ كُلُّ خَيْرٍ، وَقَدَ سَأَلَ كَلِيمُ الرَّحْمَنِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ رَبَّهُ أَنْ يَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ؛ لِمَا عِلْمِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ وَالْقَيَّامِ بِأَعْبَائِهَا إِلَّا إِذَا شَرْحَ لَهُ صَدْرَهُ، وَقَدْ عَدَّدَ سُبْحَانَهُ مِنْ نِعَمِهِ عَلَى خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ لَهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَنَّهُ شَرْحَ صُدُورَهُمْ لِلإِسْلَامِ"[11] اهـ.

قٌلُِبَ طُفُلُِه
24-08-2024, 11:51 AM
جزاك الله خيـر
وبارك الله في جهودك
وأسال الله لك التوفيق دائما

اسير الاحزان
25-08-2024, 12:37 PM
جزآك الله خيرا
بآرك الله فيك على الطَرح القيم
وَ جعله في ميزآن حسناتك